تاريخ تطور اللغة التركية: رحلة من الأناضول إلى الجمهورية الحديثة
اللغة التركية.. لغة امتزجت بحضارات الشرق والغرب، وكُتبت بأبجديات متعددة، وحملت تراثاً إنسانياً عظيماً. انطلق معنا في رحلة عبر الزناد لتتعرف على المراحل المفصلية التي شكلت هذه اللغة الجميلة، من جذورها في آسيا الوسطى إلى أن أصبحت لغة الجمهورية التركية الحديثة.
الجذور اللغوية: الانتماء إلى عائلة اللغات الألتائية
تنتمي اللغة التركية إلى عائلة لغات "أورال-ألتاي"، وتتصدر فرع اللغات الألتائية التي تجمعها خصائص فريدة جعلتها متميزة عن غيرها.
أبرز خصائص اللغات الألتائية (ومنها التركية):
- اللصقية: يتم بناء الكلمات بإضافة لواحق (لواصق) إلى نهاية أصل الكلمة دون تغيير فيه. مثال: "ev" (بيت) ← "evler" (بيوت) ← "evlerim" (بيوتي).
- عدم التمييز بين المذكر والمؤنث: لا تتغير الكلمة سواء أكان المخاطب ذكراً أو أنثى.
- التوافق الصوتي: تتبع الكلمات نظاماً متناسقاً للأصوات الخفيفة والثقيلة. إذا بدأت الكلمة بحرف صوتي خفيف، تتبعها لواحق خفيفة، والعكس صحيح.
- ترتيب الجملة: يكون ترتيب الجملة الأساسي: فاعل - مفعول به - فعل. أي أن الفعل يأتي دائماً في نهاية الجملة.
المنعطف التاريخي: معركة ملاذكرد وبداية العهد الأناضولي
شكلت معركة ملاذكرد (ملازجيرت) في عام 1071م نقطة تحول مصيرية. بفوز السلاجقة على البيزنطيين، أصبحت الأناضول (تركيا الحالية) الموطن الجديد والأصلي للغة التركية.
رحلة الكتابة التركية عبر التاريخ
الفترة الأولى: لغة محكية فقط، دون أبجدية موحدة.
الكتابة بالأبجدية العربية: بدأ سلاجقة الأناضول ودولة آل عثمان في كتابة التركية باستخدام الحروف العربية.
لغة الديوان: أصبحت اللغة التركية العثمانية مشوبة بكثيفة بالعربية والفارسية، لدرجة عزلها عن عامة الشعب.
صراع الهوية: هيمنة العربية والفارسية والانفتاح على الغرب
بلغت الهيمنة اللغوية ذروتها في القرن السابع عشر، حيث أصبحت التركية في الشعر مزيجاً من:
مع بداية القرن التاسع عشر وتراجع الدولة العثمانية، انفتحت التركية على اللغات الأوروبية (كالفرنسية والإنجليزية) نتيجة الاحتكاك المباشر مع الغرب.
ثورة أتاتورك: ميلاد اللغة التركية الحديثة
مع قيام الجمهورية التركية على يد مصطفى كمال أتاتورك، شهدت اللغة نقلة تاريخية كبرى لاستعادة هويتها.
إصلاحات أتاتورك اللغوية:
- انقلاب الحروف (1928): استبدال الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية بشكل رسمي.
- انقلاب اللغة (1928): الشروع في عملية "تنقية" اللغة التركية من الكلمات العربية والفارسية الزائدة.
- تأسيس مجمع اللغة التركية (1932): إنشاء مؤسسة رسمية (ترك Dil Kurumu) هدفها تطوير اللغة وتنقيتها وإثرائها بمفردات تركية الأصيل.
خلاصة الرحلة
من لغة محكية في سهوب آسيا الوسطى إلى لغة دولة عظمى في الأناضول، ثم إلى لغة جمهورية حديثة، تظل الرحلة التاريخية للغة التركية شاهداً على مرونة اللغة وقدرتها على التطور والتجدد مع الحفاظ على جذورها الأساسية. فهم هذه الرحلة لا يغني متعلم اللغة ثقافياً فحسب، بل يمنحه نظرة أعمق على منطقها وبنائها الفريد.